عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

171

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

له من ضياء الحق عينان كحلا * فبالسحر أولى ثم أخرى بقدرة جناحاه إحداهن للسعد طائر * وأخرى إلى بعد الشقاوة جرت ولا عجب في أنه كل ما يرى * من الصعب يلقه بأحسن صنعة وما دققت عيناه فيه فإنه * له موقع الحافر دركا بخطوة ألا إنه نور من اللّه منزل * تستر للإنسان في اسم همة واعلم وفقنا اللّه وإياك ، ودلك عليك وهداك ، أن الهمة أعزّ شيء وضعه اللّه في الإنسان ، وذلك أن اللّه تعالى لما خلق الأنوار وقفها بين يديه ، فرأى كلا منها مشتغلا بنفسه ، ورأى الهمة مشتغلة باللّه ، فقال لها : وعزّتي وجلالي لأجعلنك أرفع الأنوار ولا يحظى بك من خلقي إلا الأشراف الأبرار ، ومن أراد الوصول إليّ فلا يدخل إلا بدستورك عليّ ، أنت معارج المريدين وبراق العارفين وميدان الواصلين ، فبك سباق السابقين وبك لحاق اللاحقين ، وفيك تنزّه المحققين ، وتعالى المقرّبين ، ثم تجلى عليها باسمه القريب ونظر إليها باسمه السريع المجيب ، فأكسبها ذلك التجلي أن تستقرب كل ما بعد على القلوب ، وأفادها ذلك النظر سرعة حصول المطلوب ؛ فلهذا أن الهمة إذا قصدت شيئا ثم استقامت على ساقها نالته على حسب وفاقها . ولاستقامتها علامتان : العلامة الأولى : حالية ، وهو قطع اليقين بحصول الأمر المطلوب على التعيين . العلامة الثانية : فعلية ، وهي أن تكون حركات صاحبها وسكناته جميعها مما يصلح لذلك الأمر الذي يقصده بهمته ، فإن لم يكن كذلك لا يسمى صاحب همة بل هو صاحب آمال كاذبة وأماني خائبة ، فهو كمن يروم المملكة ولا يفارق المزبلة وهذا لا يقع على مطلوبه ولا يظفر بمحبوبه ، لأنه كمن يطلب أن يكون بلا قلم ولا مداد ولا معرفة بوضع الخط ، فالمدار بمثابة قصد الهمة للشيء ، والقلم بمثابة اليقين بحصوله ، ومعرفة وضع الخط بمثابة الأعمال الصالحة للأمر المقصود ، فمن لم يكن على هذا الوصف لا يعرف ما هي الهمة ، إذ ليس لديه منها أثر ، فلا يكون عنده منها خبر ؛ بخلاف من كانت أفعاله مما يلائم ما يطلبه ، وخصوصا إذا أخذ فيها بالجد والاجتهاد فأسرع ما يكون لديه نيل المراد . ولقد حكي لنا عن فقير أنه سمع شيخه يقول يوما : من قصد شيئا وجدّ وجده ، فقال : واللّه لأخطبن بنت الملك ، ولأبلغن فيها غاية الجد والاجتهاد ، فذهب إلى الملك فخطبها منه ، وكان الملك لبيبا عارفا عاقلا فكره أن يحقره أو يقول له